مضيتُ نحو البحر أبثّهُ شيئاً من زحام همومي؛ فصدرُ البحرِ رحبٌ، يبتلعُ شكوانا ولا يفيضُ بها أبداً. ومع كل موجةٍ تقبلُ وتدبر، كنتُ أشعرُ أن شكوايَ تذوبُ في الملح، فلا يتبقى منها سوى أثرٍ خفيفٍ في الروح. جلستُ طويلاً أرقبُ الموج وأستمعُ إلى هديره الرتيب، وبالقرب مني كان هناك صيادٌ يقفُ فوق صخرةٍ كأنه جزءٌ منها؛ يلقي صنارتهُ بصبرٍ، لا يكترثُ لضجيج العالم، فكلُّ همّهِ عالقٌ في طرف خيطه تحت الماء. قمتُ من مكاني وفي نفسي رغبةٌ لأن أتركَ أثراً أنا أيضاً، فتناولتُ قصبةً طويلة كانت ملقاةً بجانبي، وبدأتُ أكتبُ اسمي على الرمل المبلل: راشد... أخرجتُ هاتفي لأوثق اللحظة، لكن الموج كان أسرع مني فمحاهُ في رمشة عين. أعدتُ المحاولة وصورتُ المقطع وأنا أكتبُ الحروف مباشرةً، والموجُ يتربصُ بها حتى ابتلعها من جديد؛ وكأن البحرَ يهمسُ لي: لا شيء هنا يبقى... فما نحنُ إلا أسماءٌ مكتوبةٌ على شاطئ الحياة، ينتظرها موجُ القدر ليطوي صفحتها ويُعيد الرملَ بكراً كما كان.
النص مقتطف من قصة "ما تبقى من الحلم"
تأليف: معاد ايتعيي
2026/03/09 22:35 بتوقيت غرينتش
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

0 تعليقات