رَشا: 09/03/2020
دونما خطوٍ عال الصوت، سَمعت وَقع أقدامٍ تزداد حِدّتها وتتباطأ سرعتها كلّما اقتربَت منّي أكثر. وفجأةً خفّ الصوتُ ثمّ سَكنَ. بدلَ خطوِ الأقدام، أصبحتُ أسمع هَمس الأفواه. وفي لَحظة لم أتوقّعها غطّت عينيَّ يدانِ بيضاوانِ قاسيتَا الملمسِ، فإذا بهما يدا أبِي. هاتِ يدك أبي لأقبّلها وأطَبِّعهاَ بطابعِ المودّةِ شُكرًا.
جَلسنا جميعُنا إلى المائدة، فابتَهلنا بما أوتِينا، وشَرعنا في تناول الغَداء. لمّا وَضعتُ أول لُقمة طعامٍ في فَمي، سألني والدي بِفضولٍ: { ما أخبار دراستك؟ هل يجري كلّ شيءٍ على ما يُرام ؟}. حَسِبتهُ يُحقّقُ معي، ويا لَيته لم يسأل. لم أستطع حينها أن أطْبِق أسناني على ما يدخُل فَمي. درستُ جوابي، واحتَمَلتُ عَقابيلهُ، ثمّ قُلت: أما تَفوّقي في الدراسةِ فلا حاجةَ لي في أن أحدِث لك منه ذكراً، أما إن كان استفسارك حول وجودي في البيت بدَل المدرسة، فلأن المدير التربويّ نهانَا عن الحضور هذا الأسبوع، فاعلَم أنك ستراني بجانبِك وقت الفطور والغداء والعشاء، من اليوم فصاعِداً.
لم يَكترث بما قُلتُ، واستَمرّ في الأكل والشربِ كالّذي أضَرّت به المَسغَبةُ جوعًا وضَمأً. لمَ لا، فَما تَعِدّه أمّي من مَطعم أو مَشرب تَلَذُّ منه الأعيُن قبل اللّسان، تشتهِيه الأنفُس قبل البُطونِ. فلتَسلَمي لأجلي ولِتدومي ما دامَ شَملُنا مجتمعا يا وَتدَ أسرتي، أنتِ مُحصّنَتي.
لا يزالَ مَقعد راشد خاليا، مالّذي يؤخّره؟ يكاد صَحنُه يبردُ. صَحنُه المملوء يُثبت تواجده بالقرب، وهذا ما يُثير الريبة. إرتاب أبي كما تَوقّعت، عيناه موجّهتان تجاه الكرسيّ الفارغ، ولا تَتنحّيان عنه، تدوران للأعلى والأسفل علامةً على انشغال فِكرهِ استِفهامًا.
بتصفح من الجزء السادس، نسخة 2020.
النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"
تأليف: معاد ايتعيي
📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

0 تعليقات