Ad Code

في حضرة السكينة

  حازم: ظلال وأضواء (13 مارس 2020)

        على ضفافِ نهرِ تطوان، يعزفُ الماءُ لحناً أزلياً، سيمفونيةً تبتدعها الطبيعةُ لتسرقَ الألباب. يحاولُ النهرُ بخريرهِ العذبِ أن يستدرجَ قلبي، لكن هيهات! فقلبي قد غادرني واستقرَّ هناك، في محرابِ "لارا". في عينيها أرى صفاءَ الغديرِ الذي لا تكدره الرياح، وفيهما يتجلى جمالُ الكونِ بأبهى صوره.

        أنتظرها، فتظللني سحابةٌ من الفرحِ الخفي، إنها سحابةُ الحُبّ، تتَفرّد بنَفسِها عن باقِي الغُيوم، تَعشَقُ الوَحدةَ وتَكرهُ الزّحامَ. كلما حضرت في خاطري، اشتعلَ الشوقُ كعود الثقاب، ورغمَ عذاباتِ الانتظار، بالصّبر أرقُبها، فالعُمر ضَيّقٌ لولا فُسحةُ الأملِ.

        جلسنا في هذا الفيءِ العام، بين الناس. ولم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا. فإني لا أرتاحُ لما يُخفي الحبّ عن العيون، ولا لما يُقال في الزوايا. أحبّ أن تُرى علاقتنا كما هي: واضحة، بريئة، بلا مواربة. أن يشهد الناس على نقائها، لا لأنهم أوصياء، بل لأن الطهر لا يخشى الضوء.

        فجأة، ارتبك جسدي وتخدرت أطرافي؛ لقد حضرت "ملكةُ قلبي". تدفقَ الأدرينالين في عروقي كسيلٍ جارف. ها قد أوفيتِ بالوعد. اقتربنا من جذعِ الشجرةِ نلتمسُ برودةَ ظلها، وصمتنا كان أبلغَ من كلِ الكلام. قطعت لارا الصمتَ بهمسٍ وقور: «يا حازم، الثرثرةُ آفة، والإنصاتُ حكمة.. فأعرني سمعكَ وقلبكَ». أومأتُ لها مستسلماً، فسألت بذكاء: «إذا كان الظلُ مجردَ حجبٍ للضوء، فلماذا تلفحنا الشمسُ بالحرارة، ويغمرنا الظلُ بالبرودة؟».

        سرحتُ في سحرِ المشهد؛ خضرةُ عينيها، وحركةُ شفتيها التي تقطرُ شهداً، ورحتُ أرددُ في سريرتي قصيدتي الأثيرة:

أنتِ إن تقتربي
يكسبِ الزّمان معنىً آخرَ
يصبح الزّمان ضيّقًا
أنّه بمرور الوقت ما درَى
إحدى معاني الضيق
أن يَسلم ترابٌ من غيمٍ أمطرَ
وأن يشُقّ العام من
دفاتره ذكرى يومِ انتحرَ
ليخُطّ على مداره
أشعار ساعةٍ فيها أبحرَ
على متنِ قوارب
مجاذيفها عقاربٌ تصلُ القمرَ
أنتِ إن تقتربي
تكسبِ المروج لونًا أخضرَا
فتغدُو المروج مرجًا
أظهر ما لسناهُ مظهرَا

        أفقتُ من سكرتي الشعريةِ لأجيبها بلسانِ الممرضِ العاشق: «الضوء يا لارا ليس دفئًا في ذاته، بل طاقة. حين تلامسُ الأجسامَ، تُمتصّ، فتتحوّل حرارة. الشمس لا تفعل أكثر من أن تمنح، والظلّ لا يفعل أكثر من أن يحجب. الفرق بسيط… لكنه محسوس».

        نظرتُ إلى ساعتي فانتفضتُ فزعاً: «لقد اتضحت المعادلةُ الفيزيائية، أما معادلةُ الوقتِ فقد خانتني! عليَّ الرحيلُ فوراً، فالعملُ يناديني ولا أريدُ أن أستهلَ يومي بتوبيخ». سلّمت ومضيت، تاركًا للنهر أن يكمل معزوفته وحده.


بتصفح من الجزء الثامن، نسخة 2026.

النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"

تأليف: معاد ايتعيي

📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

صورة القصة

إرسال تعليق

0 تعليقات

Close Menu