Ad Code

الخير في زمن الشك

 راشد: يومٌ من شقاء (09 مارس 2020)

        انتزعتُ نفسي من دثارِ النومِ انتزاعاً حين شقَّ أذانُ الفجرِ سكونَ الظلام. تطهرتُ بالماءِ الباردِ لينفضَ عني بقايا النعاس، وارتديتُ ثيابي الخضراء البسيطة، متجرداً من زينةِ الدنيا، قاصداً بيتَ الله بقلبٍ وجل. خلعتُ نعليَّ ودخلتُ، فاستقبلني صوتُ الإمامِ وهو يسوّي الصفوف، وكأنه يعيدُ ترتيبَ فوضى أرواحنا قبلَ الصلاة.

        ما إن انقضت الصلاة، حتى بدأت رحلةُ العذابِ اليومية. قادني الخطوُ إلى محطةِ الحافلات، حيثُ حشرتُ جسدي في "علبةِ السردين" المعدنية تلك. آويتُ إلى جوارِ المحركِ طلباً للدفء، ففي الخارجِ كانت السماءُ تبكي برداً، وأنا بلا مظلةٍ ولا معطفٍ يقيني لسعاتِ الشتاء. كان الزحامُ خانقاً، والأنفاسُ تتصاعدُ كضبابٍ كثيف، حتى ظننتُ أن رأسي سينفجرُ قبل أن تطأَ قدمايَ أرضَ الجامعة.

        وصلتُ المدرجَ مبللاً، وروحي أكثر بللاً من جسدي. صوتُ الأستاذِ وهو يشرحُ "نظم التشغيل" كان رتيباً يبعثُ على السأم، فآثرتُ الهروبَ إلى المكتبة، وهناك كانت الصدمة: لا مراجع، لا مطبوعات! أيُّ عبثٍ هذا؟ يحدّثوننا عن "التعليم الذاتي" وهم لا يملكونَ من أدواتِ العصرِ سوى الطباشيرِ وغبارِ الكلام!

        قاطعت أفكاري ثورةُ أمعائي؛ جوعٌ كافرٌ ينهشني. اتجهتُ للمقصف، لكن المكانَ كان يغلي بحدثٍ آخر. صراخٌ ينبعثُ من المطبخ، شجارٌ بين الطاهي والمدير. دفعني فضولي -أو ربما حمقِي- للتدخلِ وفضِ النزاع، فكانت النتيجةُ طردي أنا والطاهي شرَّ طردة! صرخ الطاهي بمرارة: «عِش أميناً تمت جائعاً!». سألتهُ عن السبب، فهمسَ لي بسرٍّ جعلَ معدتي تتقلصُ غثياناً: «أشكرِ اللهَ أنكَ طُردتَ قبل أن تأكل.. إنهم يعيدون تدويرَ الفضلاتِ في صحونِ الجائعين!».

        غادرتُ المكانَ مشمئزاً، وقبلَ أن أستقلَ الحافلةَ عائداً، اعترض طريقي رجلٌ أربعيني، ملامحهُ قاسية ونظراتهُ وقحة، يطلبُ مالاً لبلوغ "الفنيدق". رقَّ قلبي للحظة، وأخرجتُ دراهمي القليلة، لكن حينَ مدَّ يدهُ ليتلقفها، انفرجت كفهُ عن "غنيمةٍ" مخبأة؛ سبعةُ دراهمَ تلمعُ في باطنِ يده! تراجعتُ فوراً وقبضتُ على مالي. رمقتهُ باحتقار وقلت: «لستَ سوى ممثلٍ فاشلٍ في مسرحيةِ التسول.. وفر ألاعيبكَ للسذج، وأفسح الطريق!».


بتصفح من الجزء السابع، نسخة 2026.

النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"

تأليف: معاد ايتعيي

📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

صورة القصة

إرسال تعليق

0 تعليقات

Close Menu