Ad Code

غرباء في ثوب الأصدقاء

          

راشد: بئرُ الاستنزاف (17 مارس 2020)

        امتلأت بطارية الهاتف في أقل من عشر دقائق، فابتسمت. أخيرًا صار لدي متّسع لأتفقد ما يطفو على شاشات الناس. دلفتُ إلى "تويتر"، ساحةِ القيل والقال، حيث يرتدي الباطلُ ثوبَ اليقين. ذا عالَم في راحة يد، يَصنعُ من الكاذبين تماثيلَ من وهم.

        اعتدت روحي هادئة، كسطحِ بحرٍ ساكن، قبل أن يلقي عُصفور حرٍّ ناجٍ من القُضبان، حجراً في مياهي الراكدة. كتب أحدهم: "لا تسمح لأي ساقطٍ أن يُسقطك معه". كأنه نطق بما كنت أتهرب من سماعه؛ شعرتُ فجأة أن بعض عمري كان وليمةً تناهشها الأصدقاء! أيّ غفلةٍ تلك التي جعلتني أظنّ أن خدمة الناس لا تُفقِر؟

        عاد بي الزمنُ إلى أيامِ الثانوية، تلك الأيام التي كان ينبغي أن تضج بالأمل، لولا ذلك "الظل" الذي رافقني. صديقٌ لا يعرفُ للمنزلِ طريقاً، ولا للوقتِ حرمة. كان يعيشُ كالرياحِ الهوجاء، يتسكّع نهارًا، ويجرّ معه الليل. من يراه يحسبه بلا مأوى، أو كأن الأبواب تُغلق في وجهه فيلوذ بغيره؛ في ليالي الامتحانات، وتحتَ قسوةِ المطرِ الغزير والبرد القارس، كنتُ أسمعُ طرقاتهِ على بابي، كأن بيتي محطةُ انتظار. 

        لن أنسى ذلك اليومَ فوق "قنطرةِ المَعْز"، حيثُ تمتزجُ رائحةُ الماشيةِ برطوبةِ النهر. في لحظةِ طيشٍ رعناء، انتشلَ مفاتيحَ بيتي -مفاتيحَ أماني- وقذفَ بها إلى الهاوية. رأيتها تلمعُ وهي تهوي، وكأنها قلبي الذي سقط. استقرت بين الأعشاب قرب بئر مهجورة، ولولا لطفُ الله لابتلعتها الظلمةُ للأبد. في تلك اللحظة، وبينما كنتُ ألتقطُ مفاتيحي، التقطتُ قراري أيضاً: أغلقتُ بابَ صداقتهِ كما يُغلقُ كتابٌ رديء، فبعضُ العلاقاتِ لا تشفعُ لها الحسناتُ العابرة، بل يبترها قرارٌ حاسم.

        وأنا غارقٌ في بحرِ الذكرياتِ الآسن، انتشلني رنينُ الهاتف. رقمٌ مجهول! رفعتُ السماعة، فباغتني صوتٌ مألوفٌ يقطرُ استعلاءً: «مرحباً أيها الصنبور!»، "صنبور" يبدو أن هذا الغافل يقف أمام المرآة ويحدث نفسه! إنه "صِدّيق".. الاسمُ الذي لا يمتُّ لصاحبهِ بصلة. 

        قلت ببرود «ما الخطب؟» فرد بضحكة سمجة «جئتك بشرفٍ جديد.. لدي مهمة عاجلة، وسأمنحك امتياز إنجازها نيابة عني!»، حديثه الساخر ينخر الأذن، عبثا يحاول. صمت للحظة، ثم قلتُ بهدوءٍ لا يقبل المساومة «اسمعني جيداً.. لستُ "البئر" التي تُدلي فيها دلوك العفن كلما عطشت» يكفيه غيث السماء. حاول التملق مني بالكلام، فقاطعته بحزم، بئري جفت في وجه «دلوك سيعود إليك فارغاً هذه المرة».

        أغلقتُ الخط، وأحسستُ بخفةٍ عجيبة؛ لقد أنزلتُ أخيراً أحمالَ الآخرين عن كاهلي، وقررتُ أن أحملَ وزري وحدي، تاركاً لهم أوزارهم.


بتصفح من الجزء الحادي عشر، نسخة 2026.

النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"

تأليف: معاد ايتعيي

📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

صورة القصة

إرسال تعليق

0 تعليقات

Close Menu