لارا: موازين الخطايا (13 مارس 2020)
وفي طريقِ عودتي، وبينما كنتُ غارقةً في تأملِ المعاني، خدشَ بصري مشهدٌ في المنتزه. مراهقانِ، فتىً وفتاة، أسقطا رداءَ الحياء، وراحا يتجرعانِ سُمَّ الرذيلةِ وهما يحسبانهُ شهداً مصفى. اقتربتُ منهما، لا متلصصةً، بل كمرآةٍ تعكسُ قبحَ المشهد. ما إن لمحاني حتى كادَ الخجلُ يوقفُ قلبيْهما، وعقدتِ الصدمةُ لسانيهما. وقفتُ أمامهما متأملةً؛ لستُ أدري في تلك اللحظة أيهما كان الثعلبَ الماكرَ وأيهما الغزالَ المغررَ به، لكنني قلتُ بصرامة: «أفَتُخفيان القبيح والألحاظُ مُبِينَةٌا؟ أيّ عِقابٍ وخِزيِ هذا الّذي أنزَلتُماه بأنفُسِكُما؟». جاءني صوتُ الفتاةِ مرتجفاً، مكسوراً كزجاجٍ رقيق: «زلّتْ أقدامنا، ونحنُ نادمون.. وما نبرئُ أنفسنا، فالنفسُ توردُ صاحبها المهالك».
نظرتُ إليهما، وتصارعتْ في داخلي الأفكار. أعلمُ أن غريزةَ الرجلِ قد تفوقُ المرأةَ بستةِ أضعاف، تدفعهُ عجلتُه ورعونته، لكنني أؤمنُ أن المرأةَ -رغم أنها الخسارةَ الكبرى في ميزانِ المجتمع- هي الحصنُ المنيعُ القادرُ على كبحِ هذا الجورِ وحمايةِ شرفها. كظمتُ غيظي، وخاطبتهما بلغةِ السترِ لا الفضح: «التوبةُ تجبُّ ما قبلها، لكن إياكما والمجاهرة! فالناسُ هنا قضاةٌ جلادون، يُعيّرون بالذنبِ ولا يُصلحون العيب. اذهبا، فستري هذا باقٍ ما حييت».
مضيتُ في طريقي أدعو لمن عفَّ وصانَ الودَّ طاهراً. لكن المفارقةَ كانت بانتظاري عندَ ناصيةِ الشارع؛ أبصرتُ المراهِقَيْن مقبوضاً عليهِما من قِبل الشّرطة، يُساقان بقسوةٍ وكأنهما قطيعٌ من الخرافِ الضالة. اعتصرَ الألمُ قلبي لهذا المشهدِ المهين، وتمتمتُ بحرقةٍ وأنا أرمقُ القسوةَ في عيونِ العسكر: «ويحكم! من كانَ منكم بلا خطيئةٍ، فليسلِّطْ سوطَهُ على رقابِ العباد!».
بتصفح من الجزء التاسع، نسخة 2026.
النص مقتطف من قصة "ما تبقّى من الحلم"
تأليف: معاد ايتعيي
📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

0 تعليقات