صابر: العائد من الضباب (09 مارس 2020)
باغتتني "لارا" بسؤالها المندهش، وكأنها تقرأ التعب المحفور في تجاعيد وجهي: «حللتَ أهلًا ووطئتَ سوقًا.. ما تُراها تكُونُ تِلك العجَلةُ التي رَجَعَتكَ إلى المغرب في وَجَلٍ، فإذا بك لم تُطل غِيابَك وكأن أوروبا لفظتكَ في ليلة وضحاها؟».
تنهدتُ، وقد عاد بي الخاطر إلى أمسٍ قريب، يوم ضجّ التلفاز بأخبار الوباء «آه يا ابنتي.. كأن شبح الموت طاف بيننا. دبّ الرعب في أوصالنا نحن المغتربين، ولم نعد ندري أين المفر. انسحبتُ شطرَ غرفتي هرباً من ضجيج الخوف، وهناك، في سكون العتمة، خطرَ ببالي أن الرجوع الى الوطن فضيلةٌ وأن لا ملجأ من هذا الطوفان سوى حضنه الرحبُ، فالوطن يا ابنتي لا يسأل أبدًا لمَ رحلتَ أو لمَ أتيتَ. اتّخَذتُ القرار ثُمّ حَزَمتُ مَتاعِي. عزَمتُ الرّحيل فَعقدتُ الرِّحالَ».
أكملتُ سردي وعيناي تسرحان بعيداً: «فورَ بزوغ الفجر، خرجتُ من المنزل، ركبتُ السيارة وربطتُ حزام الأمان، سلكتُ الطريق صَوب ميناء-بالباو للسفن البحريةَ. كُنتُ آلَفُ الشوارع صاخبةً مُكتَظّة بالسيارات والدرّجات الناريةِ، أما تَانِكَ اللّيلة فوجدتها خاليّة من كُلّ المُشاةِ، كأن المدينة لفظت أبناءها دفعةً واحدة، بدت مقفرةً لولا حواجزُ الشرطة التي استوقفتني مرارًا وتكرارًا، تستجوب خوفي وتفحص حرارتي حتى تتبينَ تمامَ صحتي، ثم تطلق سراحي نحو المجهول. لَقَد أحسن بِيَّ القدر إذْ لم أُصَب بعَدوى الوَباء. قَطَعتُ تَذكرةَ السفَر، ثُمّ صَعَدْتُ السّفينةََ والجو مُتوتر الحالةِ، والقلوب معلقة بين برّين. أوَلَ ما جَلستُ في مَقْعَدي، إذا بِيِِ ألفُتُ الأنظارَ أنِّي لَستُ مطَوّقَ الفَمِ، شعرتُ بغربةٍ مضاعفة. الكلُّ يختبئ خلف الأقنعة، وعيونهم ترشقني بنظراتِ الاستنكار. كانوا يرونني متهوراً، وكنتُ أراهم أشباحاً في مسرحية هزلية».
مسحتُ على جبيني وأنا أختم حديثي: «لم تمضِ ساعة حتى لاحت مآذن طنجة ورسوتُ على بر الأمان، كأن روحي الضائعة عادت إلي. كانت الشمس ساطعة وكأنها تحتفي بالعودة. توَلّيتُ عَقِبَ السوقِ بُغيتَ التجارة، لا طمعاً في الربح، بل لأتأكد أن الحياة لا تزال تسير».
ابتسمت لارا وهي تهم بالمغادرة: «حمداً لله على سلامتك.. لَم يبقى لي إلا أن أوَدّعك سيدُ صابر!».
راقبتها تبتعد، بينما ثقل جفوني يغالبني. أنا منهك.. قاسَيتُ مرارةَ السفَر وكذلك السّهَر، وأمَرُّ منُهُما مرارةُ الوَجل، ولا يهزمني سوى الشوق الى وُجوه أولادي وزوجي التي تنسيني وعثاء هذه الرحلة.
بتصفح من الجزء الرابع، نسخة 2026.
النص مقتطف من قصة "ما تبقّى من الحلم"
تأليف: معاد ايتعيي
📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

0 تعليقات