Ad Code

حازم: حين تتعب الأرواح قبل الأجساد

   

تحت مبضع الوقت: 05 مارس 2020

        «حازم! إلى غرفة العمليات، فوراً!» اخترق صوت الطبيب سمعي كمشرطٍ حاد، جرّدني من إنسانيتي للحظة، وجعلني أشعر وكأنني مجرد أداة في زاوية مهملة من المشفى. لا أحد هنا يرى احتراقي الصامت، ولا ذلك الطوفان المالح الذي يغسل وجهي؛ قطرات عرقٍ تتساقط على البلاط البارد، تحكي قصة ندمٍ عابر: "لماذا لم أختر حياة المكاتب الهادئة؟ حيث لا رفيق سوى القلم وشاشة الحاسوب، بعيداً عن رائحة الدم". 

        قاطع أفكاري صوت الجرّاح المهتز قلقاً: «المسكّن يا حازم! مريضنا يصارع الصحو.. تحرك!» تمتمتُ في سري لاعناً هذا العبث: "بؤساً لكم ولمنهاجكم! تقطّرون التخدير في أنفاس المرضى وكأنه ترياقٌ نادر! أتبخلون بالدواء خوفاً من نفاد المخزون؟ تباً لهذه الروائح الوخزة التي تعبث بأمعائي وتدفعني للتقيؤ، وتباً لاقتصادٍ يقامر بالأرواح".

        حين لفظتني "غرفة الأسى" أخيراً إلى الخارج، عبأتُ رئتيّ بالهواء بنهم، شهيقاً يطرد الموت، وزفيراً يستجدي الحياة. كانت قدماي تخونان ثقلي، لكن مرأى منزلي في الأفق كان وعداً بالخلاص. الأريكة.. ذلك هو حلمي الوحيد الآن. لكن هيهات! مزق رنين الهاتف جدار الصمت. "رنّ.. رنّ!". تنهدتُ بأسى؛ لقد مُسخ الزمن عندي، فلا ليل يسكنُ فيه الجسد، ولا نهار يُعاش. رفعت السماعة بإنهاك: نعم.. من الطارق؟ 

        أتاها صوتها ناعماً يغسل تعب الروح: «مساء الخير، خطيبتك لارا هنا.. هل نناقش تفاصيل زفافنا؟ أم أن التعب قد التهمك كالعادة من الرأس إلى القدم؟» كانت نبرتها الخجولة ترياقاً سحرياً. 

        "لارا".. الاسم وحده كان كفيلاً بأن يضخ الدماء في قلبي المنهك، وتتسع حدقتاي دهشةً وحباً. ألجمني السؤال، وحاصرني الواقع. كيف أجيب؟ وأنا العالق في برزخٍ ضيق؛ تنهشني أنياب الواجب المهني من جهة، وتشدني أحلام الحياة الطبيعية من جهة أخرى، وأنا بينهما، أحاول أن أحيا حياةً واحدةً لا شتات فيها.


بتصفح من الجزء الثاني، نسخة 2026.

النص مقتطف من قصة "ما تبقّى من الحلم"

تأليف: معاد ايتعيي

📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

صورة القصة

إرسال تعليق

0 تعليقات

Close Menu