لارا: ضجيجٌ وزهور (09 مارس 2020)
يكادُ الصداعُ يشطرُ رأسي نصفين؛ ضجيجُ السوقِ يخترقُ طبلةَ أذني كأنهُ طبولُ حربٍ لا تهدأ. أصواتُ الباعةِ المتداخلةِ تعلو وتخفت، معلنةً عن صراعٍ أبديٍّ من أجلِ لقمةِ العيش. لا بأس، فلكلٍّ في هذهِ الحياةِ معركتُه. لكن، ما هذا التجمهرُ الغريب؟ كتلةٌ بشريةٌ تتكدسُ هناك. اقتربتُ بدافعِ الفضولِ، لأجدَ سيدَ الموقفِ المعتاد: "العشّاب". ذلكَ الخطيبُ المفوّهُ الذي يبيعُ الوهمَ في قوارير.
شققتُ طريقي بصعوبةٍ وسطَ الزحام: "أفسحواْ الطريق و انشُزُوا!". وصلتُ للصفِ الأمامي لأسمعَ ترهاتهِ عن مرهمٍ سحريٍّ يزعمُ أنه يمحو الألم! يا للسخرية، إنه يبيعهم الطحينَ على أنه ترياق. صرختُ في داخلي ووددتُ لو صرختُ في وجهه: "كفاكَ دجلاً! أَوَتَفترِي الكذب في أحوال الناس، بقصصك الملفّقة لتَحملهم على اقتناء بضاعتك؟ وهل يُرجى الشفاء من أعشاب لا تنفع علّة ولا تنقع غُلّة؟ إن الداءَ الحقيقيَّ يسكنُ النفوسَ الجشعة، لا الأجساد".
انسحبتُ من دائرةِ الزيفِ تلك، لتقعَ عينايَ على مشهدٍ يغسلُ الروح؛ أطفالٌ صغارٌ يركضون بابتساماتٍ صافية، يتبضّعون لِأُمّهاتهم. لَكم أودّ المشاركة معَهم. استوقفني مشهدُ فتاةٍ صغيرة، تقفُ حائرةً وكأنها فقدت بوصلتها وسطَ هذا الطوفان. اقتربتُ منها وسألتها برفق، وبعد ترددٍ خجول، باحت لي بسرها الصغير: إنها ذكرى زواجِ والديها العاشرة، والهديةُ هي اللغز. ابتسمتُ لها وقلت: "الحلُّ بسيطٌ يا صغيرتي.. باقةٌ من الزهورِ المشكلة، يجمعها شريطٌ من المحبة. فالهدايا لا تُقاسُ بأثمانها، بل بنبضِ القلبِ الذي اختارها".
وبينما كنتُ أغادرُ عالمَ البراءةِ هذا، اقشَعرّ بدني لما لمحت السيد "صابر"، والدُ خطيبي، قائمًا على رأس عمله. يتحدث إلى أحد زبائنه، ملوِّحًا بيديه، كأنه يُحِيطُها بكل ما لديه، مشيرا إلى سِلَعِه. سُحْنَتاه تُبرِزان ملامح البشرِ والسرور. ها هوذا ينصرف عن سلْعَته، ليخْتلف بين باقي التجار. فجأةً، تلاقت نظراتنا وسطَ الزحام، لقد رَمَقني ببصره. تحتمَ عليَّ الآن أن أؤديَ واجبَ التحية؛ فاحترامي له من احترامي لحازم، وحتى لا يُقالَ أن "لارا" عبرت دونَ سلام او مرّت مرور الكِرام.
بتصفح من الجزء الثالث، نسخة 2026.
النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"
تأليف: معاد ايتعيي
📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

0 تعليقات