صابر: فنجانٌ في زمن الوباء (20 مارس 2020)
«قَرّوا في بيوتِكم.. تباعدوا تَسلَموا». هكذا صارت الوصايا. "كورونا"؛ ذلك الاسم الذي سرق الألسنة، ضيفٌ ثقيل نزلَ عندنا، واستقرّ في صدورنا المرتجفة.
عجيبٌ هذا الكائن؛ قد يسلبك طعم الحياة ورائحة الوجود، ويُحيلكَ غريقاً على اليابسة. وبينما أراقبُ الوجوهَ من خلفِ الزجاج، أدركتُ أنَّ الوباءَ أصابَ الإنسان في مكمنه؛ كأنما يُوارى الترابَ وهو يرمقُ الحياةَ بعينٍ منكسرة.
كنا فيما مضى نمرُّ بالعاطِلين فنسخرُ منهم ونعدُّهم كسالى. أما اليوم.. فامضِ بسلامٍ أيها الساخِر، لقد ضحِك الزمان.
نظرتُ إليه طويلاً؛ كأن ملامحهُ استطالت فجأة، لقد كبُر الصبيّ دون أن ألحظ. استجمعتُ وقاري وقلتُ له بنبرةٍ تليقُ بقدَرنا الجديد: «راشد! لقد غَدوتَ اسماً على مسمّى.. لوازمُ البيت أمانةٌ في عنقك».
في تلك اللحظة، شدَّ راشد قامتَه، واعتدل في وقفته كالعود الصلب الذي لا تلويه الريح، وقال بثقةٍ لم أعهدها: «لا ضير يا أبي.. أنا لها».
استرسلتُ في وصاياي، محاولاً الحفاظ على جلال الموقف: «إن لاخطت نقصاً، فامضِ إلى السّوق صُعوداً.. أذِنتُ لك بالخروج.. وحدك».
هنا، انفرجت أساريرُه عن ابتسامةٍ ماكرة، وكسر هيبةَ نصائحي بمزحةٍ لم أتوقعها: «بل أمضي نزولاً يا أبي، لا صعوداً! أنسيتَ أننا نسكن المرتفع، وأن السوق يقبعُ هنالك في الفجّ النائي؟».
باغتتني واقعيتُه الساخرة، فتركتُ وقاري قليلاً وأدلفْتُها ضحكةً مصطنعة، ثم أشرتُ بيدي نحو العتبة: «انظُر أمامك إذن.. البابُ مفتوح».
عساه خرج، وعدتُ إلى سجني. لقد ضقتُ ذرعاً بالجلوس أمام تلفاز الحزن هذا؛ صندوقٌ أسود لا ينقل إلا أرقاماً من الموت تتصاعد بجنون كأنها في سباقٍ للحاق بملَك الموت، ولولا ومضاتٌ عن فنٍّ يزدهر في صمت، وإبداعٍ يولد من رحم العزلة في قفص البيت، لما كان للأملِ مكانٌ في الحياة.
تذكرتُ طرقة "المُقَدّم" على بابنا صباحاً. كانت طرقةً مُرتجفةً، تشبه فرار الهارب من لعنةٍ تلاحقه. رمى لنا ورقة الخروج ومضى؛ تلك التذكرة التي تسمح لفردٍ واحدٍ بالتنفس خارج الجدران. حينها، انتثر عني بعض الأسى، لكنني شعرتُ بوطأةِ الحقيقةِ تزدادُ ثقلاً؛ لسنا في بيوتنا بل في عزلٍ جماعي، والآن فقط، فُكّت قيودُ أحدِنا لِيجسَّ نبضَ العالمِ بالنيابةِ عنا. ويكأننا محاكَمون في باحة السجن ننتظر تلك الفسحةَ القصيرة، لنثبت لأنفسنا أنَّ السماءَ لا تزالُ هناك، خلفَ الأسوارِ المنيعة.
وها قد آن الأوان لاستدعاء ضيفٍ لم نره منذ زمن؛ خطيبة ابني "حازم". لنجلس، ونحتسي فنجانا من القهوة، لا لقتل الوقت، بل لننظر أيبقى الفنجانُ ممتلئاً ويفيض أدباً؟ أم يستحيلُ فارغاً، لا يُرى في قاعه إلا سوادُه؟
جاءني صوته حذراً، حذر من كان عليه المغادرة لكنّه تلكأ: «أجل! أنا على وشك المغادرة.. هل من شيءٍ آخر؟».
نحن ننتظر خروجه على أحر من الجمر، بينما هو لا يزال متسمّراً في مكانه، مستأنساً لحديثٍ ما. لا بأس.. قلتُ له بنبرة قاطعة: «سيكون لدينا ضيوف.. ضع هذا في حسبانك».
ثم أردفتُ بصوتٍ آمر لا يحتمل التأويل: «اتصل بأخيك حازم.. فأدعهُ هو وخطيبتهُ إلى مأدبةِ الفُطور، مساءَ يومِ كذا وكذا».
بتصفح من الجزء الثالث عشر، نسخة 2026.
النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"
تأليف: معاد ايتعيي
📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

0 تعليقات