Ad Code

خلفَ دروعِ البلاستيك

حازم: 24 مارس 2020

        عند الثامنة صباحاً، يرتطمُ رنينُ المنبهِ بصمتِ الغرفة؛ إيذاناً ببدءِ يومٍ لا يقبلُ التأخير. خرجتُ مستعجلاً نحو المستشفى، أسابقُ الزمنَ بمفردي في شوارعَ خاليةٍ تماماً؛ ألتفتُ يميناً ويساراً فلا أرى أحداً، فالجميعُ قد تحصّنوا في بيوتهم حفاظاً على حياتهم. وصلتُ ملهثاً، وعبرتُ بابَ الموظفين المزوّد بمرشاتِ التعقيم، ثم هرولتُ نحو غرفةِ الملابسِ وقد تبلّد إحساسي بكل شيء.

        ارتديتُ رداءَ الحمايةِ الرديء؛ ذاك الثوب الذي ليس بسندسٍ ولا إستبرق، بل هو غلافٌ للبؤس. غلّفتُ قدميَّ ورأسي بأكياسٍ شفافة مقاومةٍ لتسرب الفيروس، وكممتُ فمي وأنفي، فشعرتُ بصدري يضيق، وبطعمِ المرارةِ يتقززُ منه لساني.

        كانت الحالاتُ تتوافدُ وتتكدسُ بما يفوقُ طاقةَ المستشفى الاستيعابية؛ لم تعد هناك غرفٌ شاغرة. كان الحلُ الوحيدُ هو حشرهم في قسمٍ واحدٍ متقابلين، وهكذا فعلنا. — {حازم! انضم إلى جناح الطوارئ، إنهم بحاجتك هناك}؛ هكذا أمرني الطبيبُ المشرف، ولم يكن أمامي سوى التنفيذ.

        أيُّ هولٍ هذا! «قوموا باللازم، المريضُ يلفظُ أنفاسَه الأخيرة.. أعطوني الإبرة!». حقناهُ وريدياً بما نملكُ من مضاداتٍ، لعلنا نلتمسُ بريقَ أملٍ زائف. سألتُ نفسي بذعر: «ماذا أفعل؟ قلبهُ لا ينبض!». صرختُ: «جهازُ الصدماتِ فوراً، ارفعوا التوترَ إلى أقصاه!».

قال لي الطبيبُ بنبرةٍ قتلتْ ما تبقى من إرادتي: {فعلنا ما بوسعنا يا حازم.. الموتى لا يتكلمون! دعهُ يرقُد بسلام، وليرقد معه السابقون واللاحقون}. كان كلامُه قاسياً لا يزيحُ المأساة، بل يرسّخها. وهل يهونُ علينا ما نراه، ونحنُ نعلمُ أننا غداً قد نكونُ نحن.. السابقين؟



بتصفح من الجزء السابع عشر، نسخة 2020.

النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"

تأليف: معاد ايتعيي

2026/01/25 22:10 بتوقيت غرينتش

📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

صورة القصة

إرسال تعليق

0 تعليقات

Close Menu