جاسر: سيف القانون (13 مارس 2020)
الشرُّ لا يلدُ إلا شراً، وهذه الحقيقةُ تتجلى أمامي كلَّ يومٍ كالشمسِ في كبدِ السماء. حتى هنا، في هذا المنتزه الذي شُيّد ليكونَ متنفساً للروح، يصرُّ البعضُ على تشويهِ الجمال. انظر إلى ذلك الفراغِ الموحش؛ كان هنا كرسيٌّ يستقبلُ أجسادَ المتعبين، أو يأوي روحاً هاربةً من ضجيجِ الحياة، لكن يداً آثمةً امتدت إليه واقتلعتهُ كما تُجتثُّ الشجرةُ من جذورها، تاركةً خلفها ندبةً في وجهِ المكان.
أجوبُ زوايا المنتزه، عيني ترصدُ كلَّ شاردة. اعتدتُ أن يكونَ المساءُ مسرحاً للطيش، أما النهارُ فكانَ محراباً للسكينة، لكن يبدو أنَّ الرذيلةَ لا تعترفُ بالساعات. ها قد انتصفَ النهار، ولمحتُ ما يُعكّرُ صفوَ الظهيرة؛ مشهدٌ لا يجرؤ عليه إلا قلةٌ شذَّت عن القاعدة. اقتربتُ من "الشرذمة" التي أغواها الشيطان، ضاربةً عرضَ الحائطِ بكلِ القيم. صرختُ بهم مؤنباً: «أما من حياءٍ يردعكما؟». رفع الفتى أنفهُ بكبرياءٍ زائف، محاولاً التملص، فواجهتهُ بغلظةٍ تليقُ بفعله: «أيها العِجل، لستَ في حديقةِ حيوانٍ، أنتَ إنسان!». أنكرَ فعلتهُ بوقاحة، مدعياً مراقبةَ الطيور! هه، سأجعلهما عبرةً لمن يعتبر «لقد جعلتما قلبَي ابويكما طعاما على الغداء.. الى المخفر!».
انهارت الفتاة، وبكت بكاءَ من يرى مقصلةَ الإعدامِ نُصبت له: «أرجوك.. الرحمة! أبي سيحيلُ حياتي سجناً، وسيزوجني بأولِ طارقٍ للباب، رجلاً "قاطعَ طريق" أو سكيراً يسومني العذاب.». كادَ دمعُها السخين، الذي انحدرَ على خدها كنزيفِ جرحٍ غائر، أن يذيبَ صرامتي. لكنني تداركتُ نفسي؛ فالعفوُ عن الخطيئةِ قبولٌ بها.
قاطعَ أفكاري صوتٌ نسائيٌ مألوف. التفتُّ فإذا هي تلك الفتاة.. نعم، هي التي كانت رفقتَهما قبل قليل. ماذا تبغي الآن؟ هل جاءت لتلقي علينا محاضرةً في الحقوق؟ قالت بنبرةٍ هادئةٍ مغلفةٍ بالاحترام: «يا سيدي، العنفُ لا يورثُ إلا نفاقاً، والقسوةُ لا تصنعُ ولاءً..».
ابتسمتُ بمرارةٍ وقلت: «يا آنسة، أنتم ترون القشورَ ونحن نكتوي باللباب». نحن لا نعاقبُ تشفياً، ولا نضربُ عبثاً. إنها دائرةٌ مغلقة؛ العصا لمن عصى، ولِمن ثِمار أفعالِه لا تُحصىَ.
بتصفح من الجزء العاشر، نسخة 2026.
النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"
تأليف: معاد ايتعيي
📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

0 تعليقات