Ad Code

من ووهان إلى المغرب: قصة إنسانية في زمن كورونا

 

ظلال الوباء: 01 مارس 2020

        على أطرافِ الموتِ الصامت، تسلّل ذلك الضيفُ الثقيل عابراً القارات، من صخبِ "ووهان" إلى قلبِ الدار البيضاء، حاملاً في جعبتهِ الخفاءَ والرعب. كانت الأنفاسُ تُحبس في الصدور، والصرخاتُ تُخنقُ في الحناجرِ قبل أن تولد، تاركةً خلفها صدىً من الذعرِ لا يُرى ولا يُسمع. خلعت الدارُ البيضاء ثوبَ ضجيجها المعتاد، وارتدت كفناً من السكون؛ شوارعُ كانت تضجُّ بالحياةِ باتت الآن موحشةً، لا يؤنسُ وحشتها سوى صفيرِ الرياحِ وشقشقةِ عصافيرَ بدت وكأنها تستعيدُ مُلكها الضائع، غير آبهةٍ بمصائرِ البشر المختبئين خلفَ الجدران.

        يا لَهذا البلاءِ الذي لم يكتفِ بنهشِ بؤرته الأولى، بل فردَ جناحيهِ السوداوين ليُظلّلَ سماءَ الوطنِ بأكمله. يا بلادي، كيف تحولتِ بين عشيةٍ وضحاها من سيدةٍ حرةٍ إلى أسيرةٍ مكبلةٍ بقيودِ الخوفِ والحذر؟ لم يكن الخيارُ طوعاً، بل فرماناً قدرياً أوقفَ عجلةَ الزمن، وحبسَ الأنفاسَ والأرزاقَ خلفَ الأبوابِ الموصدة.

        ومن رحمِ هذا السكونِ الإجباري، اشتعلت جذوةُ حكايةِ "صابر". ذلك التاجرُ الذي نالت منه السنون، فلم تُبقِ من بنيانهِ القويِّ سوى طيفِ إنسان؛ جسدٌ تآكلت قواه، ومنكبانِ انحنيا تحتَ وطأةِ الزمن، ورأسٌ اشتعلَ فيه الشيبُ كرايةٍ بيضاءَ استسلمت لغبارِ العمر. خلفَ هذا الجسدِ المنهك، يقفُ قلبُ أبٍ ينبضُ لثلاثةِ أقمار: "رشا"، عنقودُه الأخير وزهرةُ الدارِ التي تضجُّ صبا وفتنة؛ و"راشد"، شعلةُ الطموحِ التي تدرسُ في تطوان، يلاحقُ المجدَ في أروقةِ العلومِ ولا يعرفُ لليأسِ طريقاً. أما البكرُ "حازم"، فهو الحكايةُ الأجمل والأكثر وجعاً؛ ممرضٌ وسيمٌ بملامحَ هادئة وشعرٍ حالكِ السواد، يقفُ في الخطوطِ الأماميةِ بمشفى "سانية الرمل"، هناك في حضنِ الحمامةِ البيضاء. عيناهُ معلقتانِ بأملٍ بعيد، ينتظرُ انقشاعَ غيومِ الوباء مع مطلعِ حزيران، ليُبدلَ بياضَ المعطفِ الطبيِّ ببياضِ ثوبِ الزفاف، حيثُ يُمني النفسَ بلقاءٍ يغسلُ عن روحهِ وعثاءَ الفراقِ ومرارةَ الانتظار.


بتصفح من الجزء الأول، نسخة 2026.

النص مقتطف من قصة "لارا على مشارف النهاية | قصة من زمن الحجر الصحي"

تأليف: معاد ايتعيي

📥 تحميل القصة
▶️ للمزيد من المحتوى المفيد تابعنا على قناتنا في يوتيوب

صورة القصة

إرسال تعليق

0 تعليقات

Close Menu